«شمال... جنوب... وسط»: الخلاص الفردي هل يجدي!

ما في داخل النفوس همس يصير صوتاً..
والخلاص سؤال وطني وحضاري وفني..
وهل أكثر عمقاً ومصداقية من الفن حين يتناول حياتنا بصراحة وجرأة؟


فماذا سوف نضيف غير أن نقرأ الفنون على الخشبة، كما هي على أرض الحياة، باتجاهاتها الناقدة، وجهاتها: شمالا وجنوبا وما بينهما، وصولا لما هو في الشرق والغرب!
يؤكد العرض القادم من سخنين الحبيبة، على أهمية المسرح في حياتنا، في ظل التحولات التي نضطرب فيها، بعيداً عن برّ الأمان، خصوصاً أنه ي ظل تلاطم الموج، سيصير الفرد إلى ذاته، التي في لحظة معينة لا يرى غيرها، كذا يفعل كل راكب، ثم ليفاجأ المجموع بعبث ما صنعوا!
لعله السؤال الأكثر أهمية لنا جميعاً.
وضعنا العرض وجهاً لوجه، بل امتد لنرى أنفسنا من الداخل؛ وهذا ما نجح الكاتب طارق السيد في تحويل المونولوج (الحوار الداخلي) داخل كل من الشخصيات وما ترمز له، إلى ديالوج (حوار خارجي)، أداره المخرج كامل الباشا؛ حيث كانت ردود أفعالهم منبئة بصدق عما يشعرون به، بل واكتشاف وهمِ ما يظنونه من امتياز لآخر.
كان من الطبيعي أن تكون المصلحة المؤثرَ الأكبر في حياة الشخصيات على خشبة المسرح، كما على أرض الحياة. لقد عكس لقاء ثلاثة عمال فلسطينيين في ورشة بناء داخل أراضي 1948، حيث يضطرون للمبيت فيها نتيجة ظروف سكنهم ومعاناة المرور على الحواجز وكثرة المضايقات من مناطق مختلفة من فلسطين التاريخية، حالة الشعب الفلسطيني النفسية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
بدأ تفكيك النظرة النمطية من خلال تأمل ما تعمق من خصوصيات وما تعمق من صور نمطية، واكتشاف التشابه والاختلاف، والذي كان سبب ذلك كله هو الظرف الذي ضيّق عليهم فضاءهم. من ذلك هو هذا التقسيم للجغرافيا السياسية، وما علق في النفوس من تأثيرات وتصورات على مدار عقود من السنوات، كان لطولها أنها صارت تتوارث.
ويمتد السلوك القائم على المصلحة في العمل، وما يدر من ربح مالي،  إلى الزواج والحب، بسبب الامتيازات التي يتوقعها المقيم في مكان من مقيمة في مكان آخر، له علاقة بحرية الحركة والعمل.
كيف يرى نفسه حسب مكان إقامته، وكيف يرى الآخرين من أبناء شعبه حسب أماكن إقامتهم؟
كلاسيكياً، تمثل المصلحة المؤثر الأكبر في حياة الشخصيات على خشبة المسرح، كما على أرض الحياة، لذلك كانت الحركة والتنقل تبعا لمزايا بطاقة الهوية مؤثرة في سير الأحداث.
كل فلسطيني من الثلاثة، (من الشمال او الوسط او الجنوب) يرى بأن الآخرين يملكون فرصا أفضل منه، بسبب الإقامة، لكن من خلال وضع النفس مكان الآخر، يكتشف وهم ما يتصور، إنها لعبة إنسانية وفرها المسرح، وصولا لاكتشاف الحقيقة، أنهم جميعا يعانون، كل ومعاناته الخاصة، فجميعهم إما يعاني تحت الاحتلال، أو يعاني من العنصرية، وهذا ما يدفعهم للخلاص كأفراد، في ظل هذا الاغتراب الصعب في الوطن.
لقد دخلت المسرحية في الاختلافات، وصولا الى التشابه، للتأكيد على أن ما يعانيه الفلسطينيون أنى كان مكان إقامتهم واحد، ولكن بأشكال متعددة.
تُرى ما المسافة بين الخلاص الفردي والخلاص العام؟
وما علاقة ذلك بتعددية الحالة السكانية، وفقا لنوع بطاقة الهوية التي يحملها الفلسطينيون حسب المكان؛ حيث يحمل فلسطينيو عام 1948 بطاقة إسرائيلية، فيما يحمل المقدسيون بطاقة هوية تفيد بالإقامة في القدس، فيما يحمل فلسطينيو الضفة الغربية وقطاع غزة بطاقة هوية فلسطينية.
تبدأ التراتبية الوهمية وفقاً لبطاقة الهوية بمن يحمل البطاقة الإسرائيلية (شمال)، فبطاقة القدس (وسط)، وأخيراً بطاقة الضفة الغربية وقطاع غزة (جنوب). في الوقت الذي لعبت فيه اللهجة الفلسطينية فعلها الحيوي، وأضفت مصداقية على الشخوص.
من المميز أن دور المرأة كان هنا كدور إيزيس في الاسطورة الفرعونية في تجميع الكل الفلسطيني، والارتقاء بفكره من اليومي إلى الاستراتيجي، من الخلاص الفردي الى الخلاص الجمعي، من العشوائية إلى الفكر والرقي والتفكير العلمي بدلاً من هذا الجدل، وذلك ما سوف يحقق مصالحهم معاً.
مسرحياً، صارت الورشة فضاء حياتياً وجودياً، سمحت بكشف ما بداخل النفوس، نجح المخرج في إخراج الداخل الحقيقي، غير المعلن عادة، رغم انه فعلا هو المحرك، بما للبطاقة والإقامة من تبعات العمل والتنقل، وصولا إلى إعادة اكتشاف ان المعاناة العامة-الوطنية، هي ما ينبغي التفكير به، فالخلاصان العام والذاتي متلازمان.
استخدم العرض الحوار الغاضب، ارتباطاً بالحالة الشعورية داخل الورشة، وكذلك حالة الفلسطيني النزق بعيشه، في ظل معاناته جميعاً، والتي تقف على رأسها المعاناة الاقتصادية. رغم مبرر الصوت العالي، إلا أنه لا يحبب الصراخ ولا الخطاب كثيراً، مسرحياً.
كذلك وظف الغائب والحاضر، على الخشبة، من خلال انتقال الممثل إلى خارج الخشبة وصولاً للصوت؛ بمعنى أن وجود الصوت على الخشبة، زاد من الحيوية، وسهل التعامل مع الأحداث.
كنا متوقعين من مخرج محترف بقامة كامل الباشا، عرضاً أكثر عمقاً، كون النص يحتمل اللعب كثيراً على الخشبة، حيث لم يخلص العرض من التكرار.
نقلنا ديكور المسرحية الى عيش حالة العمل في الورشة بشكل ملفت للنظر، ونجح في توظيف التمثيل وراءه وأمامه وفيه.
وفي النهاية صارت الورشة مكاناً تأملياً إلى مدى أبعد من البطاقات؛ فما هو شعور وما هو همس وما هو بصوت خفيض يصير أمامنا، وجهاً لوجه، لعلنا نصحو ونتطهر من "أنانياتنا" باتجاه الخلاص الحقيقي.
·المسرحية من إخراج: كامل الباشا وتأليف: طارق السيد، وتمثيل: بيان عنتي، لمى نعامنه، أديب صفدي، ميلاد غالب، موسيقى: مراد خوري، وديكور: مجدلة خوري، وإضاءة: وئام طافش وأشرف على وإنتاج: مسرح الجوال البلدي - سخنين.

مناقشة وحوار

الأكثر قراءة