قـــوة الــصــــورة

في الآونة الأخيرة شغلت الرأي العام المحلي مجموعة من الأحداث والصور، التي تم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع.. وهي أحداث متفرقة، قد لا توجد علاقة مباشرة بينها، إلا أن ما يعنينا منها، وما يجمع بينها هو "قوة الصورة".


مراسل قناة الأقصى ينهي تقريره بضرب وشتم طفل مرّ أمامه، فأفسد عليه تقريره.. ضابط شرطة فلسطيني يحاول إصلاح "بنشر" لجيب إسرائيلي.. مشهد تصويري تظهر فيه عملية تفجير باص إسرائيلي على حدود غزة، بعد مغادرة آخر جندي للباص.. مفكر "تنويري" في الأردن يفبرك عملية اختطافه وتعذيبه.
المواقف السابقة، كان يمكن أن تمر سريعا، ولا تحظَ بهذا الاهتمام، لولا أنها وثقت بالصورة.. فالصورة، قوتها أكبر وتأثيرها أسرع من الكلمة.. خاصة إذا تم توظيفها لغرض سياسي أو حزبي.. فمثلا نسمع ونقرأ عن أطفال اليمن الجياع، وعن مقتل أناس أبرياء في تفجيرات عشوائية في العراق، عن قصف مدنيين في سورية، عن مشاهد دمار وهدم بيوت، وعذابات أمهات، وتشريد أطفال، وويلات حروب... وهي أهم من الصور السابقة، فهذه مآسٍ مؤلمة، ومن المفترض أن تهز ضمائرنا، بل هي أكثر من كافية لاندلاع ثورة.. ولكنها لا تحدث أي تأثير، ولا أحد يهتم بها.. ليس لأن الناس بلا ضمائر، أو لأنهم باتوا غير مكترثين.. بل لأنها دون صورة، أو غدت صوراً مكررة.
صور المراسل، والضابط، والباص، والمفكر أتت في مرحلة تأزم وتوتر سياسي، وفي ظل احتدام صراع حزبي وفكري بين تيارات متصارعة.. وكل جهة أرادت توظيفها واستغلالها لأغراضها الخاصة.. 
على مستوى الشارع، والناس العاديين، أتت هذه المشاهد في مرحلة يأس وقنوط وتراجع وهزائم تمر بها المنطقة العربية عموما، صار الناس فيها وكأنهم غير مبالين، وتواقين لأي نصر، حتى لو كان "دونكشوتي"، وبحاجة لأي مشهد يخرجهم عن المألوف، وبحاجة لأي شخص يصبون عليه غضبهم، ولأي جهة يحملونها كامل أسباب الهزيمة. وبعضهم رآها فرصة ليظهر في مرآته بصورة البطل.. 
الناس عادة، ترى في الصورة، وتسمع من الخبر ما تريده فقط، ما تبحث عنه.. حتى لو كان في ذلك نزع الصورة والخبر عن سياقها العام.
لا أحد تقريباً، يهمه البحث وتحري الدقة والأمانة في نقل الخبر، أو في التعليق عليه.. البعض يظل صامتاً، غائباً، وهو في واقع الأمر يتربص، وينتظر أي غلطة من خصمه، فيظهر فجأة.. يظهر بصورة الملاك.
لقد كشفت تداولات تلك الصور والتعليقات عليها مدى قسوة المجتمع، وسرعة إصداره الأحكام، وقسوتها، وغياب أي درجة من التسامح، أو محاولة تفهّم وجهة نظر الآخر، أو منحه فرصة للدفاع عن نفسه.. نتحول كلنا فجأة إلى قديسين وثوار، ودون عثرات ولا أخطاء.. ولكن مستعدون لإنهاء حياة شخص بلا رحمة، لمجرد غلطة واحدة.. 
طبعا، لست هنا بصدد الدفاع عن أحد، ولا مهاجمته؛ فتلك ليست مهمتي، ما أحاول فعله رصد ردود أفعال الناس.. المراسل أخطأ في ضرب الطفل، لكنه يظل إنسانا، لأعصابه قدرات معينة على التحمل، خاصة في ظروف الميدان.. مع ذلك جلدناه بقسوة، ولم نفكر حتى بمشاهدة فيديو اعتذاره من الطفل، واعترافه بخطئه.. الضابط ارتكب غلطة شنيعة وغير مبررة بمحاولاته إصلاح البنشر.. لكن لا يحق لأحد إعدامه بسبب هذه الصورة، دون حتى محاولة فهم خلفيات القصة.. والمعلقون الغاضبون شملوا شتائمهم وانتقاداتهم للسلطة، علما أن السلطة أدانت فعلته، وعاقبته عليها.. ولكن يبدو أن المسألة تصيد أخطاء، وأحقاد دفينة، ومواقف سياسية مسبقة.. كانت بانتظار أي غلطة. 
الناس انتقائيون في اهتماماتهم، يبحثون عن العثرات والفضائح.. ولا يلتفتون لأي جانب إيجابي، مثلا الموقف الرسمي من قضية الخان الأحمر، المتقدم على الموقف الشعبي.  
المفكر الأردني "التنويري" (إن صح التعبير) ارتكب غلطة فادحة، بقصته المزعومة.. لكن ما تم إثرها جلد كل التيار الفكري المناوئ.. وكأن البلد لا يوجد فيه اعتداءات على المفكرين.. وأنه واحة الحوار الحر العقلاني الهادئ.. إذا نسيتم ناهض حتر، فارجعوا إلى سيل الشتائم والتهديدات التي وجهت ليونس قنديل ومؤسسته.. وكعادة الناس ذوي الثقافة السمعية، هاجموا فكر "مؤمنون بلا حدود"، وأنا واثق بأن أغلبهم (إن لم يكن جميعهم) لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة أفكارهم والاطلاع عليها من مصادرها.. أنا شخصيا لا أعرف عنهم إلا القليل، لذلك ليس لي موقف منهم لا سلبي ولا إيجابي، ولكن أدين الكذب والتزييف، لأنه لا يخدم أي قضية عادلة.
أخيرا، مشهد تفجير الباص الإسرائيلي، صار الكل خبيرا استراتيجيا، وهنا نشاهد الانتقائية بكل وضوح.. خصوم حماس اعتبروها مسرحية مفبركة، ومؤيدوها اعتبروها عملية بطولية.. وهؤلاء أنفسهم صاروا متفهمين لعدم استهداف الجنود، ومتقبلين لتفويت صيد ثمين بهذا الحجم من الصعب أن يتكرر.. فلو تم قتل الجنود لفرح هؤلاء واعتبروها عملية في منتهى الحكمة والشجاعة، وبالتوقيت الصحيح.. وبما أن ذلك لم يحدث، اعتبروها أيضا عملية ذكية وموجهة.. أي أنه تأييد في كل الأحوال.. أو إدانة في كل الأحوال.. 
برأيي المتواضع، إنها عملية شجاعة وذكية جدا، وذات رسالة قوية.. لكن هذا لا يمنع طرح أسئلة محيرة، حول تقنيات معينة (لا مجال لذكرها هنا)، أو عدم تبني جهة المسؤولية عنها، والجهة التي سربتها للإعلام.. مهم أن نمتلك شجاعة طرح الأسئلة، وحكمة التشكيك فيما يجمع عليه الناس.. لأن الحكمة والحقيقة ضالة المؤمن، والناس ليست دائما على صواب.. 
الصورة مهمة وضرورية، وقد باتت سلاحا ذا حدين (في زمن السوشال ميديا)، فهي من جهة سلاح للرأي العام، تخيف المسؤولين، وتجعلهم أكثر حذرا، وقد تكشف جرائمهم وفسادهم، وتسقطهم.. ومن جهة ثانية إذا أسيء استخدامها قد تتسبب في إعدام أناس مخلصين؛ بمحو تاريخهم، والقضاء على مستقبلهم، لمجرد أنهم اقترفوا غلطة معينة، لكنها غلطة شنيعة.. غلطة بلا حدود..  
قال المسيح عليه السلام: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر".

مناقشة وحوار

الأكثر قراءة