كيف تتعامل مع مريض الاكتئاب من وجهة نظر مريض الاكتئاب

إعداد محمد فتحي_يرتبك كثيرون حين يباغت الاكتئاب أحد أصدقائهم أو أقربائهم. يواجهونه بالإنكار تارة، والتسفيه والحط من قدره تارة أخرى. تغلبهم الحيرة بينما الضيف المجهول يكبرُ وينمو ولا يوقفه أو يصرفه أحد. يبحث مريض الاكتئاب عن دعمٍ قلّما يجده. ويبحث المحيطون عن وسيلة للمساندة فلا يصلون إليها إلا بعناء. وجّهنا السؤال إلى بعض المرضى لنعرف الطريقة المثلى للتعامل معهم. كن لطيفًا ودودًا حين تتحدث معهم.

لسنا في سباق
"حين أُخبرك أنني حزين وأعاني الاكتئاب لا تقل لي أنا أيضًا حزين. حين أُخبرك بحجم الألم النفسي الذي أشعر به لا تباغتني بالقول إنك تشعر بمرارة تفوق مرارتي، لسنا في سباق. لا توجد جائزة للأكثر همّا أو حزنًا. ولن نحصل على وسام. هذا ليس مجال تنافس حتى نتبارى فيه. كثيرون كانوا يباغتونني بقولهم "عادي.. كلنا مكتئبين." كانوا يشعرون أن أحدًا في العالم لا يتألم مثلهم. والبعض كان يردد تلك الجملة ظنًا منه أن هذا سيساعدني، سيجعلني أشعر أنني أبالغ في تقدير الأمور لكنّ هذا لم يكن يحدث. مع الوقت، أصبحت لا أتحدث معهم. اعتزلتهم لأنني أريد من يسمعني ويهتم بي. ولا أريد من يُقلل من معاناتي ويُسفّه منها. " ريهام، 26

 

لا تحاصروني
"أنا مكتئبة ولستُ سجينة" قلت لأصدقائي هذه الجملة بغضبٍ أكثر من مرة لأنهم حين علموا أنني أخضع لجلساتٍ للعلاج من الاكتئاب وأتناول أدوية طبية قرروا أن يفرضوا عليّ الحصار. التصقوا بي طيلة الوقت، رافقوني للعمل صباحًا. واصطحبوني للمنزل مساءً. في البداية سُعدت باهتمامهم، لكن كنت أشعر بعبء لإنني لا أتصرف بحريتي وزاد العبء بمرور الأيام. قالت لي صديقة إنهم لا يريدون تقييد حريتي لكنّ التواجد المكثّف في حياتي سببه خوفهم من أن أقدم على الانتحار، أخبرتهم أنني لا أفكّر في ذلك، وأن التشخيص الطبي لحالتي يقول إنني بعيدة عن الانتحار لكنّ حديثي كان دون جدوى لذلك قررت الانفعال والحديث بحدة وغضب. وقتها فقط أدركوا أن الحصار قد يكون مضرًّا لحالتي النفسية. فقرروا الابتعاد لكنهم ابتعدوا كثيرًا." آية، 30

لستُ مجنونًا
"كلنا معرضون لارتكاب حماقاتٍ في حياتنا، بعضها لقلة خبرتنا والبعض الآخر يحدث دون قصد؛ كأن تقول جملة لا سياق لها في حديث، أو تطرح حلاً ساذجًا لمشكلة كبيرة. ومنذُ أخبرت أصدقائي بأنني أعالج من الاكتئاب أخذ بعضهم يفسر تلك الحماقات على أنها من أعراض المرض أو نتيجة لتناول الأدوية. سمعت من يقول: "معلش.. ده عشان العلاج." هذا الأمر أزعجني للغاية. مريض الاكتئاب ليس غبيًا وليس مجنونًا، وكلنا معرضون لارتكاب تلك الحماقات دون قصدٍ. أنا لا أخجل من المرض. أصدقائي وجيراني يعرفون أنني أتعالج من الاكتئاب وأذهب لطبيب مختصّ. ما أزعجني أنهم لا يفقهون طبيعة المرض. يتعامل بعضهم معك باعتبار هذا المرض نقصًا أو عيبًا فيك. أقول لنفسي دائمًا هؤلاء أولى الناس بالعلاج النفسي وإعادة التأهيل حتى يصبحوا قادرين على التعامل مع غيرهم." روماني، 28

 

رجاءً.. لا تحدثني عن الصلاة والصوم
"كنت أقرأ القرآن كل يوم، أواظب على الصلاة. وأصلي قِيام الليل. استغفر الله ليل نهار. ملابسي محتشمة للغاية ولا أخالط الرجال. هذه هي الوصفة المثالية للفتاة المتدينة في مجتمعنا، وأنا كنتُ كذلك، وحين هاجمني الاكتئاب قالوا لي إن السبب هو "بُعدي عن ربنا." أصابتني تلك الكلمة بإحباط كبير، خاصة أنها جاءتني أول ما جاءت من فمِ طبيبٍ معالج. بالطبع، لم أذهب إليه مرة ثانية. لكنني سمعتها أكثر من مرة وفي كل مرة كنت أقول لنفسي: هل يعلمون ما بيني وبين الله؟ لمَ يتدخلون في هذه الأمور؟ وهل أنا مطالبة بالدفاع عن نفسي فأتحدث عن الصلاة والدعاء والتهجّد إلى غير ذلك؟ العبادات قد تجعلك تشعر ببعض الارتياح. الإيمان بأن هناك من يسمعك ويستجيب لك أمر مريح نفسيًا وبحق لكنّه ليس علاجًا للاكتئاب، لأن أولى خطوات العلاج أن تعرف المرض، وأقصد التوصيف الدقيق للحالة المرضية، وأن تتخلى عن حالة الإنكار وتبدأ العلاج وكل هذا لن يحدث بمجرد الصلاة فقط. الآن، من يحدثني عن الصلاة والصوم كعلاج للاكتئاب لا آبه له، ولا أكترث بما يقول. وفي بعض الأحيان أتحدث معه بحدة." دعاء، 27

لن تسمع ما يرضيك.. فانتبه
"أكبر أزمة واجهتني خلال فترة العلاج من الاكتئاب كانت ردود أفعال بعض المقربين عندما بُحْت لهم بأسباب اكتئابي وحزني، وعبّرت لهم عمّا بداخلي. لا يثق مريض الاكتئاب في كل من يقابله، عدد قليل جدًا من الأشخاص يراه جديرًا بالثقة. لذلك حين نتحدث ننتظر ممن يستمع إلينا أن يتفهّم حالتنا أو على أقل تقدير يبدي اهتمامًا. كثيرون كانوا يقاطعونني. بعضهم كان يعبس وجهه حين يسمع شيئًا لا يرضيه. البعض كان حادًا في تعليقاته وكل هذا لأنهم كانوا لا يريدون الاستماع إلا لما يرضيهم. كنت أبحث عن شخص يستمع لما أريد أن أبوح به لا ما يجب عليّ أن أقوله. كنت أريد قدرًا من الحرية لا التقييد. قلت لهم لا أريد إلا أن تقبلوني كما أنا عليه الآن وتشعرونني بالحب." ريهام، 26

 

كن واضحًا 
"الوضوحُ افضل طريقة لدعم مريض الاكتئاب. إذا كان أحد أصدقائك يعاني من الاكتئاب فيجب أن تسأل نفسك قبل مساعدته: هل حقًا أرغب في المساعدة أم فقط أشعر بالحرج منه؟ كثيرون أظهروا دعمهم ورغبتهم في مساعدتي لكنهم في الحقيقة تسببوا في زيادة المعاناة. منهم من رحّب بدعمي وفور جلوسه معي بدا منصرفًا عني مشغولًا بأشياء لا أعلمها، يتصنّع الإنصات لكنه لا يستفسر عن شيء. وفي نهاية الحديث يُطيب خاطري بكلام مكرّر أسمعه كل يوم. هذا دفعني للتكتّم. لم أعد أتحدث مع أحدٍ إلا أقل القليل. اخترت بعناية من يهتم بحالي. وكنتُ حاسمةً منذ البداية. قلت لهم إذا كنت أثقلكم بشيء أو لا تريدون سماعي في يوم فعليكم إخباري بذلك. الآن، إذا رغبت في التحدث مع أحدهم ولم يكن متقبلًا لذلك يخبرني بذلك ولا أشعر بأي حرج أو ضيق." بسمة، 25

الرفق أولًا
"لا تتصور أن المريض بالاكتئاب لا يعرف علاجه كنت حزينًا للغاية. تباغتني نوبات هلع غير مبررٍ، أخشى الابتعاد عن المنزل، أخشى قيادة السيارة، أخاف التجمعات. أعرف جيدًا أنني مطالب بتجاوز تلك المخاوف وهزيمتها. لذلك حين كان يقول لي أحدهم "الحل أن تقود السيارة بمفردك" كنت أضحك. هل حقًا هذا هو العلاج؟ هل الأمر بهذه السهولة؟ ليتك ما قلتها. البعض كان يتركني دون نصح أو توجيه. يستمع فقط. هذا قد يكون جزءًا من العلاج والدعم المعنوي بالفعل لكنني كنت في حاجة لمن يأخذ بيدي. البعض رأى أن الصدمة هي العلاج. على سبيل المثال كان يحاول إجباري على التجمع مع أشخاص لا أعرفهم. أو إجباري على قيادة السيارة بسرعة كبيرة لمسافات، او يتفق معي على لقاء بعيدًا عن المنزل ثم لا يحضر. هذا جعل الأمور تذهب في اتجاه شديد السوء. الحل المثالي بالنسبة لي كان التدرّج. أن تأخذ بيدي خطوة تلو أخرى وبرفق شديد. أحد أصدقائي ساعدني بالفعل. كان يحفزني ويشجعني بلطف وبشكل غير مباشر. يتفق معي أن أقود السيارة مسافة قليلة ثم يتولى هو القيادة بعدها. وفي المرة التالية، يتركني أقود مسافة أطوّل من سابقتها ويحاول الحديث في موضوعات شتى خلال قيادتي حتى يشتت مخاوفي. هكذا أصبحت الأمور تسير للأفضل. أنا مدين له بالكثير." عمر، 32

 

اقرأ. أفهم.. لا تكن جاهلًا
"إذا كنت حقًا مهتمًا بمساعدتي فيجب أن تعرِفَ ما أعانيه. يجب أن تقرأ ولو قليلًا عن المرض وتفاصيله. أسوأ ما واجهته منذ هاجمتني نوبات الاكتئاب كان بعض الجُهّال الذين لا يفقهون شيئًا لكنهم لا يتورعون عن الحديث والإدلاء بدلوهم. أحدهم استمع إليّ ثم بدأ يُعقّب. حديثه كان خاطئًا تمامًا، لم يقل كلمة واحدة صحيحة. سألته عن مصدر معلوماته فقال إنه درس علم النفس في المرحلة الثانوية. على العكس، قليلون للغاية من أصدقائي اهتموا بالقراءة عن المرض. فور إخبارهم بالتشخيص الطبي وجدت أحدهم يكتبه على ورقة ليبحث عنه على الإنترنت. أُجزم أن هذا الشخص كان أفضل من تعامل معي طوال 3 سنوات كنت أتعافى فيهم من نوبات الاكتئاب والميول الانتحارية. قال لي لاحقًا إنه قرأ الكثير ليعرف الطريقة المثلى للتعامل معي. قرأ عن المرض وأعراضه وعن الحالة التي يكون عليها المريض، لو قرأ الناس قليلًا لأدركوا خطورة الأمر وأحسنوا التعامل دون شكٍ." مدحت، 33

تم تغيير بعض الأسماء بحسب طلب أصحابها.

المصدرve:vi

مناقشة وحوار

الأكثر قراءة