Colors: Yellow Color

الكاتب: الواثق طه

لا تمهيدَ، ولا مقدمة سأستخدمُ هنا، لا استدراجَ ولا حبكات. سأدخل في صميم الموضوع مباشرة دون تسويف، إنّنا حمقى حين نُدرج في مواقعنا الإخبارية وأنشطتنا الإعلامية زاوية الأخبار المُترجمة، تحديدًا عن العبرية... حمقى حدّ السخرية، وحمقى حدّ رثاء النفس...

كنت أحد أولئك الحمقى الذين عملوا أو أشرفوا على مثل هذا النشاط الإخباري أو الإعلامي، ماذا نفعلُ جميعًا، أعني إعلاميين ومراسلين ومحررين ووكالات، صفحات وشاشات؟ نتناول الخبر الإسرائيلي، والمادة الإعلامية الإسرائيلية، المُؤلّفة من مضامين محددة، لأهداف وغايات محددة، ونعيد ترجمتها ونشرها كما هي في إعلامنا الفلسطيني والعربي إلى حد ما... بحبكتها، ومعلوماتها، بعضنا يسميها تحت عنوان: إسرائيليات، وبعضنا يسميها أخبارًا بالعبرية، وآخرون يسمونها أخبارًا مترجمة، أما بعض العباقرة فيسمونها أخبار "العدو"...

هذا الهراء في التصنيف لا يُعفي إعلامنا من خطيئة النقل الخام للمعلومات الإسرائيلية تحديدًا ذات الأبعاد السياسية والأمنية، والمواد التي تعالج الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، من وجهة نظر مُحرري وصانعي المادة الإعلامية في المؤسسات الإسرائيلية وبوجه آخر: وجهة نظر دولة إسرائيل.

إنّ التصنيفات التي أشرتُ إليها للأخبار الإسرائيلية، تشبه شراء علبة سجائر مكتوب عليها: انتبه إنها مضرّة للصحة، بما فيها من نيكوتين، وقطران، وغيرها من السموم التي أعشقها بالمناسبة... ما النتيجة؟

تمتلك إسرائيل منصات إعلامية هائلة، ونمتلك مساحات في منصاتنا لتمرير ما تبثه تلك المنصّات، بعضنا يبثها دون دراية، وبعضنا للنكاية، وآخرون أجزم أنهم ينفذون روتين يوم عمل لا أكثر، أما الفئة الأخرى فهي التي تُدرك ما تفعل، ولماذا تفعل ذلك... والمحصّلة إضافة مزيد من إنجاحِ المضمون في الوصول إلى العقول، المضمون الذي يحمل ربّما تشويها، أو مغالطات، أو ما يثبّط أو يشكك في جدوى كل شيء أو أي شيء فلسطيني... إن حالتنا الفلسطينية لا تخفى على أحد، وأغلبكم يقرأ هذه العبارات ومخيلته تستعيد المشهد العام السيء الذي تصنعه أفكارٌ نحملها، ومواقف نعتقد أنها حقيقية في كثير من الملفات.

المثير للسخرية، أنّنا نُعالج جزءًا كبيرًا من تلك المضامين بعبارات ساذجة مثل: انظر ماذا يقولون! تابع الإعلام الإسرائيلي كيف يثير كذا... مع حملة من "الهمبكة" والشتائم، أيضًا "اللطيم".

حتى من يتحدثون عن أهمية صناعة الإعلام في بث الرسالة الوطنية والدولية، يُلقونها كلمة معلقة في الهواء، دون تمحيص... إنّ صناعة الإعلام تعني "قبلَ" الإعلاميين المؤهلين والمؤسسات المُجهّزة، رؤية وطنيّة نُدرك من خلالها من نحن أولًا، وماذا نُريد.. في ظلّ التطور الإعلامي الهائل، لا في الأدوات فقط، بل في صناعة المضامين، وتوظيفها، وأهدافها وتقاطعاتها مع أجهزة الدولة.

الرؤية التي أشير إليها هي حزمة التوجهات الفلسطينية التي تمثلها منظومة عمل كاملة، دبلوماسيّة، وإعلاميّة، ما هي الصورة/ الشخصيّة ”image” التي نريد أن نبثها للعالم عن شعبنا؟ ما هي التحديات التي تواجه هذه الأهداف؟ ما هي الفترة الزّمنية اللازمة لتحقيق رأي عالمي ما أو شعبي؟ ما هي طبيعة علاقاتنا في العالم، وأين هي الجهات التي نتحدى، ونختلف، ونتصارع معها وعلى أيّة أشياء؟

بعبارة أخرى، العمل السياسيّ، والدبلوماسيّة الحديثة يتقاطعان مع العمل الإعلامي لا محالة في صناعة تلك الصورة عن الشعب، وقدراته، وموروثاته، بهذه الكيفية عرفنا البيتزا وشهرتها حتى صارت من علامات الشعب الإيطالي، وهكذا راجت كثير من الأشياء واحدة منها قوة الدول، وهيبتها في توظيف كلّ شيء لتحقيق "صورتها" الخاصة بما يخدم مصالحها. 

لم يُترجم قُطبا الحرب الباردة "أمريكا وروسيا" أخبار بعضهما للشعبين المتصارعة حكومتاهما. بل دخلت كل تلك "الميديا" في تحليل التوجهات والأهداف، بغية تفكيك المضامين والرد عليها، وإنتاج مضادات إعلاميّة لها فيما عُرف "البروباغاندا".. وتطور فيما بعد إلى "عمل دبلوماسي جماهيري أو عام" يمارسه السياسيون والإعلاميون في سياقات تصب في خانة واحدة.

أين نحن من ذلك في عملنا الإعلامي الذي نزعم أنّه يُقارع، ويُصارع "الرواية" الإسرائيلية"... وعلى سيرة الرواية، ما هي روايتنا الفلسطينية؟ من نحنُ وما هي صورتنا التي نستند عليها "حقيقة" في إنتاجنا الإعلامي، لا بل إنتاجنا الشامل بما فيه من سينما وفنون ومسرح ودبلوماسيّة واتصال مع العالم؟

تستفحل بيننا الإشاعة، والبروباغاندا الإسرائيلية، وتستفحل بيننا نتائج العمل الإسرائيلي المتراكم، والجاد، والذكي، فكيف نواجه كل ذلك بالأنماط التقليدية للعمل الإعلامي؟ كيف نفكك ما يُزرع بالصورة فقط بالعبارات العنترية أو التقليدية أو الشعارات؟ وكيف يكون ذلك مجديًا وجهاز كالتوجيه السياسي والمعنوي ليس فاعلًا؟ وكيف يكون ذلك واقعًا سليمًا ونحن نفهم السلطات الأربع مفهومًا لا يقف على أبواب الأمن القومي وقفة مسؤولية أو على أبواب السياسات العامّة التي تهدف إلى صناعة الرواية وحمايتها وتطويرها، والأهم: الإحجام عن الجمود عندها بتحويلها إلى صلاة مقدسة هي الأخرى.

سيظنّ البعض أنني هنا أشير إلى رقابة أو ما يسمى "الخطاب الموحد"... سلفًا أنبّه: إن هذا ظن مُجحف، ساذج... ما أتحدث عنه هو الفهم العام لكياننا، والفهم العام للمضمون الفلسطيني، والقدرة على تفكيك المضمون/ الرواية الإسرائيلية، وإيجاد منظومة عمل كاملة، ليست مركزيّة، بل تعمل ضمن الفهم العام بحريّة تامّة، في الاتفاق والاختلاف، والأهم في الحديث إلى الجمهور المحليّ والعالم.

لا تنقصنا الخبرات، ولا ينقصنا الذكاء، ولا ينقصنا أن نقرأ العالم بلغته الحديثة، بما فيها من أدوات، ومؤسسات فاعلة تستهدف الآخرين، ولا تنقصنا المعلومة... ما ينقصنا فقط، الدعم السليم، وحكومة مُنتبهة، وإرادة حقيقية... وأهداف سليمة بعيدة، تفصيلية... وأنوّه للحكومة لأنّ الدبلوماسيّ يمارس عملًا إعلاميّا، في تصريحاته، وسلوكياته، حتى في ظهوره.. 

إنّ الصراخ الذي أصّلناه في عقولنا وأدائنا، وعبارات الرفض والممانعة، والعنتريات، لا تُفضي إلى نتائج حقيقية كما يجزم العلم الذي ينهض على أسسه الإعلام... اشتم عدوّك خمسين مرة، اصرخ كيفما تشاء.. إنّ هذا هراء محض...

أرجو أن تختفي الأخبار المترجمة الإسرائيلية من عقولنا، أرجو أن نحولها جميعها إلى "مضامين" فلسطينية تواجه وتفكك الرواية وتزرع مكانها روايتنا... لا أقول "تردّ عليها" بل تؤسس إلى فهم جديد لدينا ولدى العالم عن الصراع، والحقيقة... عن شعبٍ يستحقّ صورة أفضل... وتعاطيًا إعلاميًّا وسياسيّا ودبلوماسيّا أفضل.. وأحدث.

 

اتخذت  صورة الآخر في مرحلة الانتفاضة  أبعاداً وأشكالاً مختلفة، كان أهمها الاقتراب أكثر والتحديق في هذا "الآخر" من دون أوهام، ولهذا فقد تعدد الآخر وتعددت ألوانه.

ومع اندلاع الانتفاضة الكبرى في العام (1987)، حدث أمران مهمان جداً:

الأول: صعود فكرة المقاومة وإمكانية الانتصار.

الثاني: القبول بفكرة "إسرائيل" والتعايش معها.

وهذا قد يحير المرء، إذ نجد وجهتي نظر متعارضتين تماماً، ولكنّ هذا ما حدث، فما لم يقبله الشعب الفلسطيني قبل الانتفاضة (كاتفاقات كامب ديفيد مثلاً)

الواثق طه

مقطع فيديو لمراسل شاب، تكفّل بإطلاق كل الخير، والأخلاق، والمهنية لدينا، أعني نحن الصحفيين والإعلاميين، محمد البلبيسي، مرّ من أمامه فتى وهو يبث رسالته من الحدّ الشرقي لقطاع غزة، صفعه على رقبته، ثم شتمه، فثارت ثائرة جميعنا ضدّه، وطالب الزملاءُ مُحاسبته نقابيًّا.

في الآونة الأخيرة شغلت الرأي العام المحلي مجموعة من الأحداث والصور، التي تم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع.. وهي أحداث متفرقة، قد لا توجد علاقة مباشرة بينها، إلا أن ما يعنينا منها، وما يجمع بينها هو "قوة الصورة".

TwinsMedia منصة إعلامية أخرى من المنصات الإعلامية المنتشرة في فلسطين. ربّما تكون ضمن فائضِ المواقع الإلكترونية التي لا تقدّم جديدًا أو اختلافًا أو مفيدًا بين الكمّ الهائل من المواقع الإلكترونية عبر العالم، ولكن، لكلّ ذي صوت ورسالة رغبة مُلحّة في تقديم ما لديه، وهذا هو نحن.

ما أسوأ رجال السياسة حين يخطفون الدين لتبرير أفعالهم أو شرعنة ما يقومون به! وليس أسوأ منهم إلا رجل الدين حين يحاول أن يستخدم سطوة الدين من أجل مآرب سياسية. وجهان لعملة واحدة، وربما يصعب الفصل بينهما إلا بمقدار الفروقات الشخصية في جعل ما يقومون به طبيعياً.

الأكثر قراءة